عبد الهادى
03-01-2009, 01:27 AM
http://mw2.google.com/mw-panoramio/photos/medium/6582390.jpg
العريش مدينة صغيرة ، ترقد كالعروس الشابة بين البحر والصحراء ، مثل نقطة ضوء تتلألأ في الجو ، مشبعة برائحة البحر ولفح الشمس القوية . ويشق العريش شارع واحد رئيسي هو شارع 26 يوليو ، يمتد متعامدا مع شاطئ البحر إلي عمق المدينة حيث السوق القديمة ، وموقف الباصات ، ومنه تتفرع الشوارع الأخرى ، ومنه تترامى بيوت أحياء أربعة رئيسية . ولا يتجاوز تعداد سكان العريش الربع مليون نسمة ، جزء قادم من أقاليم مصروالباقى الأخرى الاصل من فلسطين والاردن وتركيا والبانيا . بعض القادمين يفضل الاستقرار النهائي في العريش بعيدا عن ازدحام وضوضاء مدنهم الأصلية ، وبعضهم يرجع إلي بلده .والأخرى للعمل والحياة هناك وحين تقول العريش ، يعتقد الناس – لأنها على الحدود – أنها بعيدة جدا ، ونائية . لكن الحقيقة غير ذلك ، إذ يمكن للشخص أن يركب سيارة من عند مترو المرج ، ليجد نفسه بعد ثلاث ساعات فقط في أحضان البحر . هل هذه دعاية للعريش ؟ فليكن ، فهي تستحق وهي مجهولة لا يدري الكثيرون شيئا عن أسرار جمالها ، والسبب أنها ليست مدينة صاخبة حافلة بدور العرض ، وحركة الترفيه المتعددة الأشكال ، ولهذا ينفر منها عادة الشباب ، فتظل صامتة لا تعلن عن نفسها في انتظار من يقدرون جمالها وهدوءها وهم عادة ممن تخطت أعمارهم الثلاثين . والعريش أيضا مدينة غير مكلفة ، إذ يمكنك بربع جنيه فقط أن تنتقل فيها من أية نقطة لأية نقطة أخرى ، بهدوء ويسر . والشوارع هناك فسيحة ، ونظيفة جدا ، وربما تكون العريش هي المدينة الوحيدة في مصر التي يترك فيها أصحاب البيوت شققهم ونوافذهم مفتوحة دون خشية من سرقة أو لصوص ، لأن لهم تاريخا عريقا يستنكف تلك الصغائر . وفي العريش تتم المعاملات – من أي نوع – كشراء شقة أو محل أو التعاقد على صفقة بمجرد كلمة من الشخص ، فإذا خالفها عقدوا له " مجلس عرب" يلزمه بما اتفق عليه ، وهو ما يسمى بالقضاء الشعبي .
تنام العريش مبكرا ، وتطوي معها أسرار جمالها ، وأحلامها ، وفتنة البحر الذي يمتد نظيفا أخضر كالحصيرة من عند شاطئ يخلو من الصخور . وفي فترة الشتاء يمكنك أن تسبح وحدك تقريبا في ذلك البحر ، بينما تحلق أعلى منك بقليل طيور النورس البيضاء . والعريش هو اسم المسكن الذي يتخذه البدوي لنفسه من جريد النخل المرصوص ، ومنه جاء اسم المدينة التي يعبق هواؤها بصور التاريخ المصري الطويل . فقد مد الفراعنة طريقا عسكريا عبر العريش يسمى طريق حورس ، كان أهم طريق عسكري وتجاري في زمنه ، ومر الفتح العربي عبر العريش ، ومنها خرجت قوات صلاح الدين الأيوبي لتواجه الحملة الصليبية وتحرر القدس ، وخلال الحملة الفرنسية على مصر تولى كليبر ( الذي قتله سليمان الحلبي فيما بعد ) قيادة الفرقة التي اتجهت لإخضاع العريش في فبراير 1798 ، ولكنه فوجئ هناك بقلعة العريش وقد تحصن فيها لمواجهته فرسان العرب والمماليك ، وفيما بعد مر عليها نابليون بونابرت شخصيا وهو في طريقه إلي عكا . وعام 1810 أصدر محمد على – ضمن أول تنظيم إداري في سيناء – قرارا بإنشاء محافظة العريش ، وأثناء ثورة البطل أحمد عرابي شاركت النخبة المتعلمة والأهالي هناك في الثورة ، وفتح محمود عبيد محافظ العريش باب التطوع لمقاومة الاحتلال الإنجليزي ونصرة عرابي باشا . واندفع أهالي العريش بلا تردد للتطوع ، ومؤازرة الثورة . وفي أكتوبر 1902 تقدم هرتزل زعيم الحركة الصهيونية بمشروع لتشمبرلين – سكرتير وزير المستعمرات البريطانية حينذاك – لاحتلال قبرص وسيناء حتى العريش ، وعرف المشروع باسم " مشروع العريش " . وخلال العدوان الثلاثي عام 1956 تعرضت العريش للقصف الوحشي \\
http://http://mw2.google.com/mw-panoramio/photos/medium/3673205.jpg
وتعرضت لهجوم مماثل عام 67 ، ولم يتردد الأهالي هناك ولم يقعدهم شئ عن المقاومة والدفاع عن بلادهم ، ولم يختلف موقفهم هذا في حرب أكتوبر التي سجلوا فيها صفحة بطولات شعبية جديرة بالقراءة . وعام 1982 تسلمت مصر سيناء كاملة ، وأخذت البلدة الصغيرة الواقعة بين البحر والصحراء تتطور شيئا فشيئا ، فالبلدة التي لم تكن تعرف سوى أكواخ الصفيح صارت مقرا لنحو ربع مليون مصري ، وارتفعت فيها المباني ، ونهض في قلبها مبنى المحافظة الضخم ، ومبنى قصر الثقافة الذي يقوم بجهد مستمر لإشاعة النور هناك ، ثم صارت العريش عامرة بالمدارس ، ومقاهي الانترنت ، والمحلات ، والمساجد والكنائس ، والأسواق ، وانتشرت فيها كل اللهجات بدءا من الفلسطنيه والمصرى من المنصورة إلي الصعيد .
وعلى امتداد الطريق من القنطرة شرق ( أي فور أن تنتقل من أفريقيا إلي آسيا)
إلي العريش تطبق الصحراء والرمال عليك من الجهتين ، ويصيبك الحزن العميق لأن مساحات شاسعة فارغة كهذه لا تستخدم في الزراعة والسكن والتعليم ، رغم أن متر الأرض هناك يباع بخمسة جنيهات لا أكثر . وتحس بأزمة المياه ، وأزمة النهر العظيم الذي انقطع خلفك في الإسماعيلية وتركك وحدك ، ثم تفكر : لكن أليست سيناء كلها تسبح فوق مياه الآبار الجوفية ؟ ألم تكن سيناء عهد الرومان مزرعة للزيتون وغيره ؟ .
العريش مدينة صغيرة ، ترقد كالعروس الشابة بين البحر والصحراء ، مثل نقطة ضوء تتلألأ في الجو ، مشبعة برائحة البحر ولفح الشمس القوية . ويشق العريش شارع واحد رئيسي هو شارع 26 يوليو ، يمتد متعامدا مع شاطئ البحر إلي عمق المدينة حيث السوق القديمة ، وموقف الباصات ، ومنه تتفرع الشوارع الأخرى ، ومنه تترامى بيوت أحياء أربعة رئيسية . ولا يتجاوز تعداد سكان العريش الربع مليون نسمة ، جزء قادم من أقاليم مصروالباقى الأخرى الاصل من فلسطين والاردن وتركيا والبانيا . بعض القادمين يفضل الاستقرار النهائي في العريش بعيدا عن ازدحام وضوضاء مدنهم الأصلية ، وبعضهم يرجع إلي بلده .والأخرى للعمل والحياة هناك وحين تقول العريش ، يعتقد الناس – لأنها على الحدود – أنها بعيدة جدا ، ونائية . لكن الحقيقة غير ذلك ، إذ يمكن للشخص أن يركب سيارة من عند مترو المرج ، ليجد نفسه بعد ثلاث ساعات فقط في أحضان البحر . هل هذه دعاية للعريش ؟ فليكن ، فهي تستحق وهي مجهولة لا يدري الكثيرون شيئا عن أسرار جمالها ، والسبب أنها ليست مدينة صاخبة حافلة بدور العرض ، وحركة الترفيه المتعددة الأشكال ، ولهذا ينفر منها عادة الشباب ، فتظل صامتة لا تعلن عن نفسها في انتظار من يقدرون جمالها وهدوءها وهم عادة ممن تخطت أعمارهم الثلاثين . والعريش أيضا مدينة غير مكلفة ، إذ يمكنك بربع جنيه فقط أن تنتقل فيها من أية نقطة لأية نقطة أخرى ، بهدوء ويسر . والشوارع هناك فسيحة ، ونظيفة جدا ، وربما تكون العريش هي المدينة الوحيدة في مصر التي يترك فيها أصحاب البيوت شققهم ونوافذهم مفتوحة دون خشية من سرقة أو لصوص ، لأن لهم تاريخا عريقا يستنكف تلك الصغائر . وفي العريش تتم المعاملات – من أي نوع – كشراء شقة أو محل أو التعاقد على صفقة بمجرد كلمة من الشخص ، فإذا خالفها عقدوا له " مجلس عرب" يلزمه بما اتفق عليه ، وهو ما يسمى بالقضاء الشعبي .
تنام العريش مبكرا ، وتطوي معها أسرار جمالها ، وأحلامها ، وفتنة البحر الذي يمتد نظيفا أخضر كالحصيرة من عند شاطئ يخلو من الصخور . وفي فترة الشتاء يمكنك أن تسبح وحدك تقريبا في ذلك البحر ، بينما تحلق أعلى منك بقليل طيور النورس البيضاء . والعريش هو اسم المسكن الذي يتخذه البدوي لنفسه من جريد النخل المرصوص ، ومنه جاء اسم المدينة التي يعبق هواؤها بصور التاريخ المصري الطويل . فقد مد الفراعنة طريقا عسكريا عبر العريش يسمى طريق حورس ، كان أهم طريق عسكري وتجاري في زمنه ، ومر الفتح العربي عبر العريش ، ومنها خرجت قوات صلاح الدين الأيوبي لتواجه الحملة الصليبية وتحرر القدس ، وخلال الحملة الفرنسية على مصر تولى كليبر ( الذي قتله سليمان الحلبي فيما بعد ) قيادة الفرقة التي اتجهت لإخضاع العريش في فبراير 1798 ، ولكنه فوجئ هناك بقلعة العريش وقد تحصن فيها لمواجهته فرسان العرب والمماليك ، وفيما بعد مر عليها نابليون بونابرت شخصيا وهو في طريقه إلي عكا . وعام 1810 أصدر محمد على – ضمن أول تنظيم إداري في سيناء – قرارا بإنشاء محافظة العريش ، وأثناء ثورة البطل أحمد عرابي شاركت النخبة المتعلمة والأهالي هناك في الثورة ، وفتح محمود عبيد محافظ العريش باب التطوع لمقاومة الاحتلال الإنجليزي ونصرة عرابي باشا . واندفع أهالي العريش بلا تردد للتطوع ، ومؤازرة الثورة . وفي أكتوبر 1902 تقدم هرتزل زعيم الحركة الصهيونية بمشروع لتشمبرلين – سكرتير وزير المستعمرات البريطانية حينذاك – لاحتلال قبرص وسيناء حتى العريش ، وعرف المشروع باسم " مشروع العريش " . وخلال العدوان الثلاثي عام 1956 تعرضت العريش للقصف الوحشي \\
http://http://mw2.google.com/mw-panoramio/photos/medium/3673205.jpg
وتعرضت لهجوم مماثل عام 67 ، ولم يتردد الأهالي هناك ولم يقعدهم شئ عن المقاومة والدفاع عن بلادهم ، ولم يختلف موقفهم هذا في حرب أكتوبر التي سجلوا فيها صفحة بطولات شعبية جديرة بالقراءة . وعام 1982 تسلمت مصر سيناء كاملة ، وأخذت البلدة الصغيرة الواقعة بين البحر والصحراء تتطور شيئا فشيئا ، فالبلدة التي لم تكن تعرف سوى أكواخ الصفيح صارت مقرا لنحو ربع مليون مصري ، وارتفعت فيها المباني ، ونهض في قلبها مبنى المحافظة الضخم ، ومبنى قصر الثقافة الذي يقوم بجهد مستمر لإشاعة النور هناك ، ثم صارت العريش عامرة بالمدارس ، ومقاهي الانترنت ، والمحلات ، والمساجد والكنائس ، والأسواق ، وانتشرت فيها كل اللهجات بدءا من الفلسطنيه والمصرى من المنصورة إلي الصعيد .
وعلى امتداد الطريق من القنطرة شرق ( أي فور أن تنتقل من أفريقيا إلي آسيا)
إلي العريش تطبق الصحراء والرمال عليك من الجهتين ، ويصيبك الحزن العميق لأن مساحات شاسعة فارغة كهذه لا تستخدم في الزراعة والسكن والتعليم ، رغم أن متر الأرض هناك يباع بخمسة جنيهات لا أكثر . وتحس بأزمة المياه ، وأزمة النهر العظيم الذي انقطع خلفك في الإسماعيلية وتركك وحدك ، ثم تفكر : لكن أليست سيناء كلها تسبح فوق مياه الآبار الجوفية ؟ ألم تكن سيناء عهد الرومان مزرعة للزيتون وغيره ؟ .