احمد عاشور
03-25-2009, 05:16 AM
تقرير العقيدة الصحيحة
{إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}
قاموا بين يدي الملك الجبار, أو قاموا بمعنى اجتمعوا, أوانبعثوا وعزموا على المضي قدما في طريق الحق.
قال الإمام القرطبي رحمه الله "قوله تعالى: "إذ قاموا فقالوا" يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا في ذات الله هيبته. والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد؛ فقال أسنهم: إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض؛ فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا جميعا فقالوا: "ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا". أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا. والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس؛ كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد. "[23]
أقول وهذه المعاني جميعها محتملة ومتلازمة ولا تعارض بينها, فلا مانع من حمل القيام عليها وتضمينه معنى العزم والمضاء والنهوض بالحق والقيام به وتحمل تبعاته, واجتماعهم على غير موعد, وصدوعهم بالحق أمام الملك.
فائدة جليلة :
أورد القرطبي في تفسيره : عن ابن عطية قال: "تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله تعالى {إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض}[24]..
وتعقبه القرطبي بقوله: " قلت: وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروه لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم؛ وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء. أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان؛ هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء. ثم هذا حرام عند جماعة العلماء، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في "سبحان" عند قوله: {ولا تمش في الأرض مرحا} (الإسراء: 37) ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن مذهب الصوفية فقال: وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري؛ لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ؛ فهو دين الكفار وعباد العجل، على ما يأتي[25].
{ فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}
لقد اجتمعت كلمتهم, وتوحدت دعوتهم فقالوا جميعا بألسنتهم وقلوبهم {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} فهو تعالى المتفرد بالربوبية فلا رب غيره وهذا دليل على تفرده عز وجل بالألوهية فلا معبود سواه, والعجيب أن المشركين بالله تعالى يقرون له بالربوبية ومع ذلك يشركون به آلهة أخرى.
قال أبو السعود رحمه الله :" وضمنوا دعواهم ما يحقق فحواهم ويقضي بمقتضاها فإن ربوبيته عز وجل لهم تقتضي ربوبيته لما فيهما "[26].
{لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا}
كما يزعم المشركون, حيث أشركوا بالله غيره في الألوهية مع إقرارهم بأن الخالق الرازق هو الله لذلك جاء التعبير ب (إِلَهًا).
{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}
إن نحن قلنا بمقالتهم الباطلة فقد انحرفنا عن المنهج القويم ونكبنا عن الصراط المستقيم, والشطط هو مجاوزة الحد والانحراف عن الجادة والبعد عن الحق ومنه شطت الدار إذا بعدت
بيان بطلان عقائد الشرك
{هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الكهف:15)
بعد أن أعلنوا عقيدة التوحيد أعلنوا البراء من عقائد الشرك فأنكروا ما كان عليه قومهم من ضلال, حيث ادعوا لله شركاء.
{لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} فالدعاوى لا بد لها من بينات, وينبغي على كل من جاء برأي أو قول لا أصل له ولا برهان له به أن يأتي بالدليل إثباتا لما ادعاه وإلا فهو مُدّعٍ.
قال الرازي: " فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية "[27] .
وقال صاحب روح البيان: " وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود, والآية إنكار وتعجيز وتبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال "[28] .
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}
أي ليس هناك أظلم ممن افترى على الله عز وجل وهو الذي خلقه ورزقه.
فالشرك بالله أعظم وأشنع أنواع الظلم, قال الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}[29].
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذبيه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا)[30] .
فائدة: في مدارسة العقيدة, وعرضها على العقول تقريرا لها وتذكيرا بها وتوصية بالثبات عليها, فضلا عن تجديد الإيمان وزيادته, وهي من التواصي بالحق, وتثبيته في النفوس, وترسيخه في القلوب ،وفي قصص الأنبياء والصالحين من الصفحات المضيئة والمواقف الرائعة والعبر والعظات ما يثبت الفؤاد ويرطب الأكباد ويربط على القلوب برباط الإيمان.
طريق النجاة
{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} (الكهف:16)
بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله بينوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله وهو اعتزال قومهم وما يعبدونه من دون الله والبراء من شركهم, فما في قوله تعالى (وَمَا يَعْبُدُونَ) موصولة أو مصدرية, والمعنى: اعتزلتم عبادتهم أو اعتزلتم معبوداتهم من دون الله.
{فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ}
أي امكثوا فيه مدة, واجعلوه مأوى لكم إلى أن يقضي الله أمرا, واللام في (الكهف) تدل على العهد الذهني أي الكهف الذي يتبادر إلى أذهانهم لذا قالوا (إلى الكهف) ولم يقولوا: إلى كهف والذي يبدو لي أن هذا الكهف كان معروفا لهم إما لشهرته وإما لأنهم مروا به في تريضهم وسياحتهم والله أعلم.
{يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته}
أي يبسط لكم ويفيض عليكم من رحمته التي تستنزلونها وتستمطرونها بطاعتكم لربكم وخروجكم في سبيله وابتغاء مرضاته.
{ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}
أي ما فيه من منافع لكم فترتفقون به قال ابن عباس :" يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر وبالرفق واللطف[31] .
وفي هذا دليل على حسن ظنهم بربهم وجميل توكلهم عليه, قال صاحب روح البيان :" وجزمهم بذلك لخلوص يقينهم عن شوب الشك وقوة وثوقهم[32] " .
في كنف الرحمن :
{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا}(الكهف:17)
انطلق الفتية نحو الكهف, واتخذوه مأوى إلا أن يقضي الله أمرا , وقد كان فتنـزلت الرحمات ولاحت الكرامات وهبت نسائم النفحات حين اتخذوا مضاجعهم في هذا الكهف الموحش وخلدوا في نوم عميق فهيأ الله لهم أسباب البقاء ووسائل السلامة ليجتازوا بنومهم حواجز السنين, وتتعاقب القرون, وتسَّاقط ممالك, وتتبدل أجيال وهم في سبات رهيب لم ينهضوا منه إلا بعد مئات السنين. وقد حجب الله عنهم ضوء الشمس فلا تصيبهم فتراها وقد مالت عنهم عند طلوعها وتجاوزتهم عند غروبها, بقدرة من أجراها وسخرها. قال الزمخشري: " المعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض للشمس لولا أن الله يحجبها عنهم "[33] .
وقيل إن باب الكهف كانت من جهة الشمال فكنت الشمس تطلع على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس لم يكن يصل إليها البتة لكن الهواء الطيب والنسيم العليل كان يصل.[34]
(وهم في فجوة منه) أي متسع, وقيل كانت يصيبهم شيء قليل وقدر ضئيل من أشعتها بقدر ما تنتفع به أجسادهم أورد ذلك الرأي أبو حيان وعزاه إلى أبي علي الفارسي فقال: " قال أبو علي: " معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد والمعنى أن الشمس تميل بالغدوة وتصيبه بالعشي إصابة خفيفة. .. قيل ولو كانت الشمس لا تصيب مكانهم أصلا لكان الهواء يفسد ويتعفن ما في الكهف فيهلكوا, والمعنى أن الله تعالى دبر أمرهم فأسكنهم مسكنا لا يكثر سقوط الشمس فيه فيحمى ولا تغيب عنه غيبوبة دائمة فيعفن " .
أقول: وفي هذا رد على من زعم أن الملك لما طلبهم ووصل إلى مكانهم أمر بسد الباب عليهم حتى يموتوا فهذا الكلام مخالف لظاهر الآيات.
وجاء في مجلة العربي الكويتية[36] " عن عالم الآثار الأردني الذي أعلن أنه اكتشف مكان الكهف(رفيق وفا الدجاني) قال: درست فجوات الكهف وخاصة موضع دخول الشمس إليه فتبين أن فتحة الكهف الجنوبية كان اتجاهها جنوب غربي, فإذا وقف شخص داخل الكهف في وقت الأصيل تزاورت الشمس عن الكهف ذات اليمين, و مرت أشعة الشمس بقوتها أمام الشخص الواقف تكشف المرائي و الآفاق.
و حين تتوسط الشمس السماء لا يدخل الكهف منها شيء, و إذا مالت نحو الغروب دخل قسم من أشعتها فجوة الكهف.
و بتفسير أوضح إن الشمس تبعد أشعتها عند بزوغها و تميل عنه في غروبها, بسبب اتجاه فجوة الكهف إلى الجنوب الغربي.
{إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}
قاموا بين يدي الملك الجبار, أو قاموا بمعنى اجتمعوا, أوانبعثوا وعزموا على المضي قدما في طريق الحق.
قال الإمام القرطبي رحمه الله "قوله تعالى: "إذ قاموا فقالوا" يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه، ورفضوا في ذات الله هيبته. والمعنى الثاني فيما قيل: إنهم أولاد عظماء تلك المدينة، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد؛ فقال أسنهم: إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض؛ فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا جميعا فقالوا: "ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا". أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا. والمعنى الثالث: أن يعبر بالقيام، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس؛ كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد. "[23]
أقول وهذه المعاني جميعها محتملة ومتلازمة ولا تعارض بينها, فلا مانع من حمل القيام عليها وتضمينه معنى العزم والمضاء والنهوض بالحق والقيام به وتحمل تبعاته, واجتماعهم على غير موعد, وصدوعهم بالحق أمام الملك.
فائدة جليلة :
أورد القرطبي في تفسيره : عن ابن عطية قال: "تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله تعالى {إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض}[24]..
وتعقبه القرطبي بقوله: " قلت: وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروه لما أولاهم من نعمه ونعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم؛ وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء. أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان؛ هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء. ثم هذا حرام عند جماعة العلماء، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في "سبحان" عند قوله: {ولا تمش في الأرض مرحا} (الإسراء: 37) ما فيه كفاية. وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن مذهب الصوفية فقال: وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري؛ لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ؛ فهو دين الكفار وعباد العجل، على ما يأتي[25].
{ فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}
لقد اجتمعت كلمتهم, وتوحدت دعوتهم فقالوا جميعا بألسنتهم وقلوبهم {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} فهو تعالى المتفرد بالربوبية فلا رب غيره وهذا دليل على تفرده عز وجل بالألوهية فلا معبود سواه, والعجيب أن المشركين بالله تعالى يقرون له بالربوبية ومع ذلك يشركون به آلهة أخرى.
قال أبو السعود رحمه الله :" وضمنوا دعواهم ما يحقق فحواهم ويقضي بمقتضاها فإن ربوبيته عز وجل لهم تقتضي ربوبيته لما فيهما "[26].
{لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا}
كما يزعم المشركون, حيث أشركوا بالله غيره في الألوهية مع إقرارهم بأن الخالق الرازق هو الله لذلك جاء التعبير ب (إِلَهًا).
{لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}
إن نحن قلنا بمقالتهم الباطلة فقد انحرفنا عن المنهج القويم ونكبنا عن الصراط المستقيم, والشطط هو مجاوزة الحد والانحراف عن الجادة والبعد عن الحق ومنه شطت الدار إذا بعدت
بيان بطلان عقائد الشرك
{هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (الكهف:15)
بعد أن أعلنوا عقيدة التوحيد أعلنوا البراء من عقائد الشرك فأنكروا ما كان عليه قومهم من ضلال, حيث ادعوا لله شركاء.
{لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} فالدعاوى لا بد لها من بينات, وينبغي على كل من جاء برأي أو قول لا أصل له ولا برهان له به أن يأتي بالدليل إثباتا لما ادعاه وإلا فهو مُدّعٍ.
قال الرازي: " فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية "[27] .
وقال صاحب روح البيان: " وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود, والآية إنكار وتعجيز وتبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال "[28] .
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}
أي ليس هناك أظلم ممن افترى على الله عز وجل وهو الذي خلقه ورزقه.
فالشرك بالله أعظم وأشنع أنواع الظلم, قال الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}[29].
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذبيه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا)[30] .
فائدة: في مدارسة العقيدة, وعرضها على العقول تقريرا لها وتذكيرا بها وتوصية بالثبات عليها, فضلا عن تجديد الإيمان وزيادته, وهي من التواصي بالحق, وتثبيته في النفوس, وترسيخه في القلوب ،وفي قصص الأنبياء والصالحين من الصفحات المضيئة والمواقف الرائعة والعبر والعظات ما يثبت الفؤاد ويرطب الأكباد ويربط على القلوب برباط الإيمان.
طريق النجاة
{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} (الكهف:16)
بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله بينوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله وهو اعتزال قومهم وما يعبدونه من دون الله والبراء من شركهم, فما في قوله تعالى (وَمَا يَعْبُدُونَ) موصولة أو مصدرية, والمعنى: اعتزلتم عبادتهم أو اعتزلتم معبوداتهم من دون الله.
{فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ}
أي امكثوا فيه مدة, واجعلوه مأوى لكم إلى أن يقضي الله أمرا, واللام في (الكهف) تدل على العهد الذهني أي الكهف الذي يتبادر إلى أذهانهم لذا قالوا (إلى الكهف) ولم يقولوا: إلى كهف والذي يبدو لي أن هذا الكهف كان معروفا لهم إما لشهرته وإما لأنهم مروا به في تريضهم وسياحتهم والله أعلم.
{يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته}
أي يبسط لكم ويفيض عليكم من رحمته التي تستنزلونها وتستمطرونها بطاعتكم لربكم وخروجكم في سبيله وابتغاء مرضاته.
{ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}
أي ما فيه من منافع لكم فترتفقون به قال ابن عباس :" يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر وبالرفق واللطف[31] .
وفي هذا دليل على حسن ظنهم بربهم وجميل توكلهم عليه, قال صاحب روح البيان :" وجزمهم بذلك لخلوص يقينهم عن شوب الشك وقوة وثوقهم[32] " .
في كنف الرحمن :
{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا}(الكهف:17)
انطلق الفتية نحو الكهف, واتخذوه مأوى إلا أن يقضي الله أمرا , وقد كان فتنـزلت الرحمات ولاحت الكرامات وهبت نسائم النفحات حين اتخذوا مضاجعهم في هذا الكهف الموحش وخلدوا في نوم عميق فهيأ الله لهم أسباب البقاء ووسائل السلامة ليجتازوا بنومهم حواجز السنين, وتتعاقب القرون, وتسَّاقط ممالك, وتتبدل أجيال وهم في سبات رهيب لم ينهضوا منه إلا بعد مئات السنين. وقد حجب الله عنهم ضوء الشمس فلا تصيبهم فتراها وقد مالت عنهم عند طلوعها وتجاوزتهم عند غروبها, بقدرة من أجراها وسخرها. قال الزمخشري: " المعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض للشمس لولا أن الله يحجبها عنهم "[33] .
وقيل إن باب الكهف كانت من جهة الشمال فكنت الشمس تطلع على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس لم يكن يصل إليها البتة لكن الهواء الطيب والنسيم العليل كان يصل.[34]
(وهم في فجوة منه) أي متسع, وقيل كانت يصيبهم شيء قليل وقدر ضئيل من أشعتها بقدر ما تنتفع به أجسادهم أورد ذلك الرأي أبو حيان وعزاه إلى أبي علي الفارسي فقال: " قال أبو علي: " معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد والمعنى أن الشمس تميل بالغدوة وتصيبه بالعشي إصابة خفيفة. .. قيل ولو كانت الشمس لا تصيب مكانهم أصلا لكان الهواء يفسد ويتعفن ما في الكهف فيهلكوا, والمعنى أن الله تعالى دبر أمرهم فأسكنهم مسكنا لا يكثر سقوط الشمس فيه فيحمى ولا تغيب عنه غيبوبة دائمة فيعفن " .
أقول: وفي هذا رد على من زعم أن الملك لما طلبهم ووصل إلى مكانهم أمر بسد الباب عليهم حتى يموتوا فهذا الكلام مخالف لظاهر الآيات.
وجاء في مجلة العربي الكويتية[36] " عن عالم الآثار الأردني الذي أعلن أنه اكتشف مكان الكهف(رفيق وفا الدجاني) قال: درست فجوات الكهف وخاصة موضع دخول الشمس إليه فتبين أن فتحة الكهف الجنوبية كان اتجاهها جنوب غربي, فإذا وقف شخص داخل الكهف في وقت الأصيل تزاورت الشمس عن الكهف ذات اليمين, و مرت أشعة الشمس بقوتها أمام الشخص الواقف تكشف المرائي و الآفاق.
و حين تتوسط الشمس السماء لا يدخل الكهف منها شيء, و إذا مالت نحو الغروب دخل قسم من أشعتها فجوة الكهف.
و بتفسير أوضح إن الشمس تبعد أشعتها عند بزوغها و تميل عنه في غروبها, بسبب اتجاه فجوة الكهف إلى الجنوب الغربي.