فاطمة أحمد
10-06-2009, 09:06 PM
مذكــرات شهيــد
* لوالدي محل بقالة صغير.. يغلقه كل يوم عند غروب الشمس.. قبل أن يحل الظلام ..لعدم وجود كهرباء في قريتنا..ويعود إلينا00أولاده الخمسة وزوجته الطيبة..و..جدي وجدتي00 أخوتي الأربعة – ثلاث بنات وولد صغير00 منحوني اسم جدي لوالدي ( سلامة ) فأنا أكبر اخوتي – ومن عاداتناأهل سيناء أن يطلق اسم الجد على أول مولود ذكر للأسرة00 أعتز باسمي لأنه اسم جدي الذي أحبه أكثر من أي إنسان آخر.. ولأنه أيضا ً يحبني ويفضلني عن كل أحفاده من أولاده الثمانية00!!
* قريتنا ( الخروبة ) تقطن تحت سفح جبل من جبال سيناء الشاسعة00
* كنت أقف فوق ربوة عالية ، وأنظر إلى قريتنا ، فآراها غريبة..!! بيوت صغيرة تبتعد عن بعضها البعض بمسافة تزيد عن المائة متر المربع رغم أنهم جميعا ً إخوة وأولاد عم وعمومة .. وكان في رأيي أن الأفضل لهم أن تكون البيوت متلاصقة حتى يأنسون ببعضهم ، ويتغلبون بجوارهم على وحشة الصحراء00!! * كنت أسأل نفسي عن السر في ذلك.. فلم أجد إجابة إلا َّ عند جدي00 حيث قال لي وهو يمسح على رأسي : للخصوصية ياولدي ..للخصوصية، لأن ياولدي كما ترى بيوتنا مصنوعة من جريد النخيل وجلود الأغنام والماشية.. ومعظم أعمال النساء عندنا – من الخبيز والغسيل والطبيخ تتم أمام البيت00ثم ضحك جدي وهو يستطرد : وحتى نشعرأيضا َ ببعد المكان.. ونتزاور..!! أعجبني للغاية كلام جدي ومنطقه00 * ورغم أن تلك الحياة كانت حياة بدائية قاسية ، إلا َّ أنها كانت من أجمل سنوات عمري..! * كان جدي مزارعا ً ماهرا ً وراعي أغنام ليس له مثيل.. يعرف كل شبر في الصحراء ويحفظه.. الأغنام أيضا ً والجمال كانت تحفظ الطريق من خلاله.. وأنا للأسف ماكنت أعرف الطريق مثلهم ، فقط كنت أسير بجانب جدي أستمع وأستمتع بحكاياته وذكرياته00 كانت حكايات جدي بالنسبة لي في هذه السن الصغيرة بمثابة الحلم الجميل الذي كنت أتمنى أن أحياه في الواقع..!! * يا إلهي00 هل هذه الأرض حقا ً ياجدي قد سار فيها الأنبياء والرسل مثلما نسير..؟! لا يا جدي لاأصدق..! لا بل أصدق فهاهي آثارسنابك خيولهم العربية القوية مازالت محفورة على الرمال.. يضحك جدي ويقول : لا ياسلامة ياولدي هذه آثار الأغنام والإبل..أغنامنا وإبلنا.... أصمت قليلا ً أفكر..!! ثم أسأله : هل رأيت الأنبياء يا جدي..؟ كانت أسئلتي لجدي من هذا النوع كثيرة.. وكانت إجاباته عليها أيضا ً كثيرة وجميلة ومبهرة.. لكن حين يرى جدي أني أكثرت عليه بالأسئلة 00 كان يقطعها أحيانا ً ويقول لي : إجري.. إجري يا سلامة خلف هذه العنزة وضمها للقطيع- رغم أنها لم تكن تبعد عنهم كثيرا ً..!! * وفي وقت الزراعة كنت أذهب معه إلى المزرعة 00
** ** *** ** **
* بنى جدي بداخلي خلال حكاياته لي وخبرته في الحياة صرحا ً كبيرا ً من الإيمان والقوة – والاعتزاز بالنفس وبالأرض والتاريخ..!
* في المزرعة .. وفي وقت الراحة – كنت أتوسل لجدي أن يقص علىَّ قصة سيدنا يوسف أو قصة سيدنا موسى00 * وفي البيت.. التصق بجوار جدتي أقول لها : إحكي لنا ياجدتي حكاية الشاطر حسن .. فتحكيها لي ولأخوتي الصغار وأمي 00 وفي يوم آخر أطلب من جدي قصة سيدنا على بن أبي طالب حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم – بعد أن يكون قد قص قصة سيدنا محمدعليه الصلاة والسلام00 كان جدي يقص هذه القصص بلا ملل وهو يعلم أنني أحفظها تماما ً من كثرة سردها لي – هي وباقي قصص الأنبياء ومعجزاتهم وغزواتهم وانتصاراتهم00 كنت أمتلئ تماما ً بتلك القصص العظيمة 00 وعلى الجانب الآخر أعشق حكايات جدتي المثيرة عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال00 كان لجدتي طريقة رائعة في وصف أبطال حكاياتها..والأماكن التي يعيشون فيها – البيوت والقصور والحدائق الغناء.. والطيور وبنات الحور.. خاصة في حكاية القصر المسحور.. أوحكاية الأميرة فرط الرمان أجمل بنات ذاك الزمان..!! الله ياجدتي ماأجملك وماأجمل حكاياتك ووصفك..!!
** ** *** ** **
* كان بين قريتنا الصغيرة وبين مدينة العريش التي لا توجد مدارس إلا َّ.. بها عدة كيلومترات.. لذلك آبىَ والدي أن يدخلني فيها لصعوبة الوصول إليها – رغم أن عمري كان قد جاوز العاشرة – وعزم أن يعلمني الزراعة مهنة أجدادنا أو أجلس معه في المحل أتعلم البيع والشراء، لكن جدي الحبيب أصر على أن يدخلني المدرسة.. فقد كان يرى مدى قبولي على التعلم السريع والفهم في حفظ القرآن.. والقصص.. * ذهبت إلى المدرسة يوما ً واحدا ً بصحبة والدي.. الذي عاد متعبا ً للغاية ومرهقا ً وأنا أشد منه تعبا ً وإرهاقا ً.. حيث أقسم بأغلظ الإيمان أن لا أذهب إلي هذه المدرسة على الاطلاق000 غضب جدي من والدي أشد الغضب .. وكاد يسقط في يده ولا أذهب إلى المدرسة.. لكنه حين نظر إلى وجهي ورأى في عيني الحزن والحيرة.. أخذني من يدي وذهبنا إلى المزرعة.. مكاننا المفضل أنا وجدي – وباغتني بسؤال قاسي للغاية : ماذا ياسلامة ياولدي لو تركنا هذا المكان .. وذهبنا لنعيش في مكان آخر ..؟ فقلت له مندهشا ً : لماذا ياجدي.. والمزرعة – كيف نتركها ولمن..؟!! ربت جدي على كتفي – أفهمني أن المزرعة ليست ملكا ً لنا.. وإننا هناك سنجد مزرعة أخرى نعمل بها ونحبها مثل هذه المزرعة.. وسنجد هناك أيضا ًأغنام أخرى وجمال.. وبيت.. والأهم من هذا كله أنك ستكون قريبا ً من مدرستك ..! تعلقت برقبة جدي وأمطرته بالقبلات وأنا في غاية السعادة .. !!
** ** *** ** **
* إنتقلنا من قريتنا البعيدة إلى العريش أقمنا في المدينة نفسها ..مدة دراستي من الإبتدائي إلى إلى الصف الثاني الثانوي00 * حياتنا في الصحراء تختلف للغاية عن حياتنا في المدينة .. حيث الشوارع المرصوفة والمحلات والمدارس – والملابس الأنيقة والتى تختلف تماما ً عن ملابسنا البدوية00!! * احدى عشرة سنة قضيناها في العريش.. تلك المدينة الجميلة التي أحببناها للغاية – وتعلقنا بها وبأهلها أحببناهم .. أحببتها أنا أكثر من خلال حبي لوفاء..ابنة جيراننا في أخر الشارع وزميلتي في المدرسة..!! * فتح والدي في العريش أيضا ً محل بقالة لكنه كان أكبر كثيرا ًمن محلنا القديم في القرية00 وعمل جدي في تجارة الأغنام والإبل – وتوسع في تجارته للغاية00 رغم ذلك كان يعاوده الحنين من وقت لآخر أن ننتقل ثانية إلى قريتنا الخروبة00 كلنا يعاودنا الحنين للعودة .. لكن ما كان ينفع أن نعود لنحيا ثانية في الصحراء 00 فقد اعتدنا حياة المدينة ومن الصعب أن نعود للعيش من جديد في القرية00!! * لكن 00 فجأة.. قرر جدي العودة إلى ديارنا00 في البداية قابلنا قراره بالرفض.. لكن تحت إلحاحه ورغبته المستميتة في العودة احترمنا رغبته ووافقنا أن نذهب جميعا ً معه00 ونعود نحن فيما بعد – حيث دراستنا أنا وإخوتي وتجارة والدي00 و.. وفاء .. !!
** ** *** ** **
( وكان يوما ًمشئوما ً )
* في اليوم المشئوم أعددنا العدة للرحيل ..
يتبع 00 تكملة القصة
بقلمي00
فاطمة أحمـد
نفرتــــاري
* لوالدي محل بقالة صغير.. يغلقه كل يوم عند غروب الشمس.. قبل أن يحل الظلام ..لعدم وجود كهرباء في قريتنا..ويعود إلينا00أولاده الخمسة وزوجته الطيبة..و..جدي وجدتي00 أخوتي الأربعة – ثلاث بنات وولد صغير00 منحوني اسم جدي لوالدي ( سلامة ) فأنا أكبر اخوتي – ومن عاداتناأهل سيناء أن يطلق اسم الجد على أول مولود ذكر للأسرة00 أعتز باسمي لأنه اسم جدي الذي أحبه أكثر من أي إنسان آخر.. ولأنه أيضا ً يحبني ويفضلني عن كل أحفاده من أولاده الثمانية00!!
* قريتنا ( الخروبة ) تقطن تحت سفح جبل من جبال سيناء الشاسعة00
* كنت أقف فوق ربوة عالية ، وأنظر إلى قريتنا ، فآراها غريبة..!! بيوت صغيرة تبتعد عن بعضها البعض بمسافة تزيد عن المائة متر المربع رغم أنهم جميعا ً إخوة وأولاد عم وعمومة .. وكان في رأيي أن الأفضل لهم أن تكون البيوت متلاصقة حتى يأنسون ببعضهم ، ويتغلبون بجوارهم على وحشة الصحراء00!! * كنت أسأل نفسي عن السر في ذلك.. فلم أجد إجابة إلا َّ عند جدي00 حيث قال لي وهو يمسح على رأسي : للخصوصية ياولدي ..للخصوصية، لأن ياولدي كما ترى بيوتنا مصنوعة من جريد النخيل وجلود الأغنام والماشية.. ومعظم أعمال النساء عندنا – من الخبيز والغسيل والطبيخ تتم أمام البيت00ثم ضحك جدي وهو يستطرد : وحتى نشعرأيضا َ ببعد المكان.. ونتزاور..!! أعجبني للغاية كلام جدي ومنطقه00 * ورغم أن تلك الحياة كانت حياة بدائية قاسية ، إلا َّ أنها كانت من أجمل سنوات عمري..! * كان جدي مزارعا ً ماهرا ً وراعي أغنام ليس له مثيل.. يعرف كل شبر في الصحراء ويحفظه.. الأغنام أيضا ً والجمال كانت تحفظ الطريق من خلاله.. وأنا للأسف ماكنت أعرف الطريق مثلهم ، فقط كنت أسير بجانب جدي أستمع وأستمتع بحكاياته وذكرياته00 كانت حكايات جدي بالنسبة لي في هذه السن الصغيرة بمثابة الحلم الجميل الذي كنت أتمنى أن أحياه في الواقع..!! * يا إلهي00 هل هذه الأرض حقا ً ياجدي قد سار فيها الأنبياء والرسل مثلما نسير..؟! لا يا جدي لاأصدق..! لا بل أصدق فهاهي آثارسنابك خيولهم العربية القوية مازالت محفورة على الرمال.. يضحك جدي ويقول : لا ياسلامة ياولدي هذه آثار الأغنام والإبل..أغنامنا وإبلنا.... أصمت قليلا ً أفكر..!! ثم أسأله : هل رأيت الأنبياء يا جدي..؟ كانت أسئلتي لجدي من هذا النوع كثيرة.. وكانت إجاباته عليها أيضا ً كثيرة وجميلة ومبهرة.. لكن حين يرى جدي أني أكثرت عليه بالأسئلة 00 كان يقطعها أحيانا ً ويقول لي : إجري.. إجري يا سلامة خلف هذه العنزة وضمها للقطيع- رغم أنها لم تكن تبعد عنهم كثيرا ً..!! * وفي وقت الزراعة كنت أذهب معه إلى المزرعة 00
** ** *** ** **
* بنى جدي بداخلي خلال حكاياته لي وخبرته في الحياة صرحا ً كبيرا ً من الإيمان والقوة – والاعتزاز بالنفس وبالأرض والتاريخ..!
* في المزرعة .. وفي وقت الراحة – كنت أتوسل لجدي أن يقص علىَّ قصة سيدنا يوسف أو قصة سيدنا موسى00 * وفي البيت.. التصق بجوار جدتي أقول لها : إحكي لنا ياجدتي حكاية الشاطر حسن .. فتحكيها لي ولأخوتي الصغار وأمي 00 وفي يوم آخر أطلب من جدي قصة سيدنا على بن أبي طالب حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم – بعد أن يكون قد قص قصة سيدنا محمدعليه الصلاة والسلام00 كان جدي يقص هذه القصص بلا ملل وهو يعلم أنني أحفظها تماما ً من كثرة سردها لي – هي وباقي قصص الأنبياء ومعجزاتهم وغزواتهم وانتصاراتهم00 كنت أمتلئ تماما ً بتلك القصص العظيمة 00 وعلى الجانب الآخر أعشق حكايات جدتي المثيرة عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال00 كان لجدتي طريقة رائعة في وصف أبطال حكاياتها..والأماكن التي يعيشون فيها – البيوت والقصور والحدائق الغناء.. والطيور وبنات الحور.. خاصة في حكاية القصر المسحور.. أوحكاية الأميرة فرط الرمان أجمل بنات ذاك الزمان..!! الله ياجدتي ماأجملك وماأجمل حكاياتك ووصفك..!!
** ** *** ** **
* كان بين قريتنا الصغيرة وبين مدينة العريش التي لا توجد مدارس إلا َّ.. بها عدة كيلومترات.. لذلك آبىَ والدي أن يدخلني فيها لصعوبة الوصول إليها – رغم أن عمري كان قد جاوز العاشرة – وعزم أن يعلمني الزراعة مهنة أجدادنا أو أجلس معه في المحل أتعلم البيع والشراء، لكن جدي الحبيب أصر على أن يدخلني المدرسة.. فقد كان يرى مدى قبولي على التعلم السريع والفهم في حفظ القرآن.. والقصص.. * ذهبت إلى المدرسة يوما ً واحدا ً بصحبة والدي.. الذي عاد متعبا ً للغاية ومرهقا ً وأنا أشد منه تعبا ً وإرهاقا ً.. حيث أقسم بأغلظ الإيمان أن لا أذهب إلي هذه المدرسة على الاطلاق000 غضب جدي من والدي أشد الغضب .. وكاد يسقط في يده ولا أذهب إلى المدرسة.. لكنه حين نظر إلى وجهي ورأى في عيني الحزن والحيرة.. أخذني من يدي وذهبنا إلى المزرعة.. مكاننا المفضل أنا وجدي – وباغتني بسؤال قاسي للغاية : ماذا ياسلامة ياولدي لو تركنا هذا المكان .. وذهبنا لنعيش في مكان آخر ..؟ فقلت له مندهشا ً : لماذا ياجدي.. والمزرعة – كيف نتركها ولمن..؟!! ربت جدي على كتفي – أفهمني أن المزرعة ليست ملكا ً لنا.. وإننا هناك سنجد مزرعة أخرى نعمل بها ونحبها مثل هذه المزرعة.. وسنجد هناك أيضا ًأغنام أخرى وجمال.. وبيت.. والأهم من هذا كله أنك ستكون قريبا ً من مدرستك ..! تعلقت برقبة جدي وأمطرته بالقبلات وأنا في غاية السعادة .. !!
** ** *** ** **
* إنتقلنا من قريتنا البعيدة إلى العريش أقمنا في المدينة نفسها ..مدة دراستي من الإبتدائي إلى إلى الصف الثاني الثانوي00 * حياتنا في الصحراء تختلف للغاية عن حياتنا في المدينة .. حيث الشوارع المرصوفة والمحلات والمدارس – والملابس الأنيقة والتى تختلف تماما ً عن ملابسنا البدوية00!! * احدى عشرة سنة قضيناها في العريش.. تلك المدينة الجميلة التي أحببناها للغاية – وتعلقنا بها وبأهلها أحببناهم .. أحببتها أنا أكثر من خلال حبي لوفاء..ابنة جيراننا في أخر الشارع وزميلتي في المدرسة..!! * فتح والدي في العريش أيضا ً محل بقالة لكنه كان أكبر كثيرا ًمن محلنا القديم في القرية00 وعمل جدي في تجارة الأغنام والإبل – وتوسع في تجارته للغاية00 رغم ذلك كان يعاوده الحنين من وقت لآخر أن ننتقل ثانية إلى قريتنا الخروبة00 كلنا يعاودنا الحنين للعودة .. لكن ما كان ينفع أن نعود لنحيا ثانية في الصحراء 00 فقد اعتدنا حياة المدينة ومن الصعب أن نعود للعيش من جديد في القرية00!! * لكن 00 فجأة.. قرر جدي العودة إلى ديارنا00 في البداية قابلنا قراره بالرفض.. لكن تحت إلحاحه ورغبته المستميتة في العودة احترمنا رغبته ووافقنا أن نذهب جميعا ً معه00 ونعود نحن فيما بعد – حيث دراستنا أنا وإخوتي وتجارة والدي00 و.. وفاء .. !!
** ** *** ** **
( وكان يوما ًمشئوما ً )
* في اليوم المشئوم أعددنا العدة للرحيل ..
يتبع 00 تكملة القصة
بقلمي00
فاطمة أحمـد
نفرتــــاري